الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداَ عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون .
أما بعد :
إننا نفاجأ بين وقت وآخر بخروج أصوات شاذة تفتعل المعارك الوهمية بين العقل والشرع فنسمع أحيانا من يرد النص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بحجة أنه يخالف العقل وهذا مرض فكري قديم يزعم رواده أن بعض أحكام الشريعة تخالف الذوق أو ليس فيها حكمة أو أن العقل لا يقرها , وهؤلاء هم الممعتزلة الطائفة التي انشقت عن الأئمة الأربعة في العقيدة ولها أتباع في هذا الزمن يسمون أنفسهم أصحاب الفكر العقلاني , أو المدرسة العقلية , ويطلبون بعصرنة الإسلام , وتطويعه وتطويره , ويزعمون التجديد ولهم مذاهب فكرية شتى , لا أنهم ينطلقون من فكر واحد ومصدر موحد , إنما قصدهم رد النص وتقديم العقل , وقبل أن أعرض شيئاَ من خطورة هذه الأفكار لابد أن أذكر الموقف الصحيح من العقل مستمداً ذلك من الكتاب والسنة ومما أقرأه أهل العلم .
1) الإسلام رفع شأن العقل والعقلاء وألى الألباب وحث على التفكير والتدبر والتأمل .
2) أن الله علق التكاليف الشريعة بالعقل فإذا أخذ الله ماوهب أسقط ما طلب , فالعقل هبة عظيمة , ومنة كريمة , إذ بعدمه يعد الإنسان في المجانين وإن كان كافراَ فهو كالبهائم كما ذكر الله عنهم (أم يحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ً) الفرقان 44, ( وقالوا لوكنا نسمع أو نعقلل ما كنا في اصحاب السعير) الملك 10 . فالصغير الذي لم يكلف وكذا المجنون وكذا المخرَف الكبير في السن , إذا أذهب الله عنه عقله سقط الأمر والنهي عنه .
3) أن الله حرم كل مايذهب العقل فحرم الخمر والمسكرات والمخدرات لأتها تزيل العقل أو تنقصه , وحرم ترويع المسلم , لأنه قد يفاجأ فيذهب عقله وجعلت الشريعة الدية كاملة لمن أتلف عقل أحد .
4) ما من أمر أو نهي في الشرع إلا وله حكمه بالغة من الله فالأوامر فيها مصالح للفرد والجماعة , والنواهي عن أمور مفاسدها ظاهرة للناس
5) أن البحث عن الحكمة وأسرار الشريعة لابأس به مما يزيد المؤمن إيمانا ً لكن من الخطا أن يتوقف الإنسان عن العمل بالنص الشرعي حتى يعرف الحكمه و فإن ظهرت الحكمة وإلا فنقول سمعنا وأطعنا ومن الحكم الظاهرة شرعية السواك والطهارة ومن الحكم الخفية عدد ركعات الصلاة والطواف .
6) أنه لا تعارض بين الشرع والعقل فالله الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب , وخلق العقول فمن المحال أن يجعل الله تعارضا أو تناقضاُ بين الشرع والعقل , ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) الملك 14 , ( ومن أحسن من الله حكما لقومٍ يوقنون ) المائدة 50 فلا يمكن أن نجد أي شعيرة أو حكم في الإسلام إلا وهو يوافق العقل .
7) أن العقل معناه الحبس والمنع والضبط والإمساك فالعاقل يدله عقله على الله والعاقل يمتنع من المحرمات , وأعمال السفهاء , وكلما كان الإنسان بالله أعرف كان منه أخوف .
8) أن الإسلام نهى عن التبعية المقيته والتقليد الأعمى المذموم .
9) أن من الأعمال التي تنافي العقل وهي تعلقات بعض الناس بالخرافة والشعوذة والكذب , ومن ذلك ما يعتقده بعض الطوائف من المسلمين أن الولي في قبره قد يصافح الزائرين أو يكلمهم وهذا أمر ينافي افهام العقلاء .
10) أن من الأمور ما تدرك بالعقول حسنها وقبحها كالكذب .
11) إثبات العقيدة بالعقل لا بأس به .
هذه أهم الأمور من الموقف الصحيح الصحيح من العقل .
أما أصحاب الفكر اللاعقلاني فهم يقدمون كل عقل على النص مع ادعاءهم الإسلام وعندهم أن العقل يقضي على النقل , وأنه لا يستفاد من صح النقل إلا العقل , ولذا فهم يحكمون على الله بعقولهم فالذي يصلح في أنظارهم يجب على الله فعله ويفسرون آيات القرآن تفسيراَ عقلياَ لا صلة له بالتفسير النبوي ولا المأثور عن العلماء وهم يتحاكمون إلى العقل مع وجود النص وينظرون النص وينظرون إلى الشرع نظرة نقص وازدراء واحتقار وأن الشريعة لا تناسب العصور المتحضرة وأن الشرع فيه تعارض وتناقض .
وقالت الفلاسفة أن النبوة مكتسبة فكلما كان الإنسان أقدر على الإقناع وعنده ذكاء ممكن أن يصبح نبيا َ, ومن هؤلاء من يضعف الأحاديث النبوية أو لا يأخذ بالقرآن , ومنهم من ينكر الغيبيات كاليوم الآخر وما فيه من جنة ونار ومنهم من لا يؤمن إلأ بالمحسوسات , وأدى بهم الأمر إلى فتح باب الإجتهاد غير المنضبط فكلٌ يستطيع أن يجتهد ويفتي ويتكلم لأن شرط الاجتهاد أن تقدم العقل وتتحاكم إليه وترد النص .
هذه مجملات عقائد القوم على اختلافهم وتفاوت عقولهم في هذه القضية ( فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شر ببينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) النساء 65
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم , وتاب الله علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم و أقزل قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الجواب عن الشبهة المتقدم ذكرها :
أولأ : في تكريم الإسلام للعقل وأن العقل تابع للشرع إذ العقل كالبصر والشرع كالشمس والنور فلا يستفاد من بصر مع الظلام , ولو كان العقل كافيا عن الشرع لما أرسل الله الرسل , ولا لأنزل كتاب , ولجعل الناس كل منهم يتعبد بما يعقل , لكن هذا اضطراب , وإخلال لأن العقل يتفاوت ففرق بين عقول الأنبياء والمجانين والعقل يطرا عليه النسيان والغفلة والسهو وموت الدماغ والإغماء والجنون والتغيير والذهول والنقص مما يدل على أنه ليس حكما وفيصلاَ بين الناس بل الرجل الواحد يتفاوت عقله بين وقت وآخر ومن سوء هذا الفكر أن هؤلاء ليسوا على طريقة واحده بل يضلل بعضهم بعضا لأن ماتراه حسناَ يراه الآخر قبيحا َ ولا يفصل بين الناس في النزاع إلا الشرع لا العقل .
وقرر علماء التفسير أن القرآن يفسر بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة ولم يجعلوا العقل وحده مفسراَ للقرآن .
ومما يعلم أن الدين كامل تام لا نقص فيه بل النقص في الناظر لا في الشرع لأن الله يقول( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) المائدة 3
والشرع لا يتناقض ولا يتعارض بل جمع الأحكام والأدلة أمر معلوم عند المجتهدين .
وقد تجرأ هئلاء فردوا أحاديث كثيرة منها حديث الذباب , وأشراط الساعة وتفاصيل القيامة وردوا حديث ناقصات عقل ودين ونصوص الممواريث والتفرق بين الرجل والمرأة بحجة أن العقول لا تقرها .
فيقال لهم الآخرة لا تقاس على الدنيا , والله حكيم عليم قوي قادر .
ومما يدل على ضعف العقل أن صاحبه قد ينحط إلى الرذائل والشهوات , كما قررت بعض القوانين الوضعية وأجازت الشذوذ الجنسي .
وقد يجيز العقل الفاسد الغدر والقتل ويسميه ذكاء و فكيف يقدم العقل على النقل مع مافي العقل من الضعف والحيرة . فالعالم اليوم طرفان ووسط ؛ فقسم ألغى العقل وجمد الفكر وآمن بالخرافة واعتقد بها , وقسم غلا وعظم العقل وقدسه وقمه على الشرائع.
أما الوسط فهم الذين جعلوه تابعا َ للدين ....
اللهم اجعلنا من العقلاء وأولي الألباب ....